محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

893

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

لا دفعة واحدة ، بل بواحد بعد واحد وبمدّة معلومة دون مدّة حتّى تتربّص المطلّقات بأنفسهنّ ثلاثة قروء ؛ فلربّما يرجع الزوج في مدّة ( 368 ب ) التربّص ويكون أحقّ بردّها إليه إن كانت السآمة من جانبه أو ربّما تقف المتربّصة عن المخاصمة إن كانت الخصومة من جانبها ؛ ولهذا كان الطلاق في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه طلاق بدعة يأثم المطلق به ؛ ويقع الطلاق على مذهب ؛ ولا يقع على مذهب ؛ والغرض هو بيان الحكمة في الطلاق وبيان الحكمة في توزيع الطلاق على الأقراء ؛ وبيان الحكمة في نفس الأقراء ؛ فلا هو إمساك على ضرار كما يدين به قوم ، ولا هو تسريح بإحسان بغتة بمرّة واحدة في ساعة واحدة . انظر إلى لطيف حكمة اللّه في التطليق والتأجيل والرجعة وإثبات المساواة في الحقوق ، وتفضيل الرجال على النساء بدرجة القوامة ، وإثبات القوامة بدرجة العقل ، وتكميل العقل بدرجة الدين . وسرّ آخر : وزان النكاح في الموجودات كلّ مزدوجين من فاعل ومنفعل ، ومؤدّ وقابل ، وقائل وسامع ، وعالم ومتعلّم ، وكامل ومستكمل ، قال اللّه تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ . ثمّ الفرقة بين كلّ مزدوجين قد يكون بالذات والطبع كما يكون في بعض الحيوان بأن تحمل الحمل وتفارق الزوج ، وربّما تحمل ولا تفارق حتّى تضع الحمل وتربّي الولد باشتراك من الزوج ؛ وقد يكون بالاختيار والإرادة كما تكون في الإنسان ؛ ويكون الفراق بالقول لا بالفعل ، وبعدّة ومدّة لا بغتة وفلتة ؛ وكما أنّ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ، وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ كذلك المفارقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاث كرّات ؛ وكما لا يحلّ للعالم كتمان العلم عن أهله كذلك لا يحلّ للمتعلّم كتمان ما قبله من أستاذه وعالمه ؛ والأرحام في الخلقيات مواضع نطف الأزواج وقوابلها ، والصدور في العلميات مواضع كلمات العلماء وقوابلها ؛ ومن كان يؤمن باللّه مبدأ واليوم الآخر معادا فلا يحلّ له كتمان ما قبل من العلم أو يستند إلى غير مرشده وأستاذه ؛ والبعولة أحقّ بردّهنّ كما أنّ العالم أولى بمتعلّمه بشرط الإصلاح لا بشرط الإضرار ، وللمتعلّم مثل الذي عليه بالمعروف ؛ فله حقّ وعليه حقّ . أمّا حقّه على العالم فالرفق بحاله ، وحقّ العالم عليه الاتّباع والتسليم لفعاله ومقاله ، كما قال موسى - عليه السلام - : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ